ابن قتيبة الدينوري
66
الإمامة والسياسة ( بيروت )
تتركوه حتى يبايع ، فيسير مع قتل عثمان بيعة علي ، فيطمئن الناس ويسكنون فرجعوا إلى علي ، وترددوا إلى الأشتر النخعي ، فقال لعلي : أبسط يدك نبايعك ، أو لتعصرن عينيك عليها ثالثة ، ولم يزل به يكلمه ، ويخوفه الفتنة ، ويذكر له أنه ليس أحد يشبهه ، فمد يده ، فبايعه الأشتر ومن معه ، ثم أتوا طلحة ، فقالوا له : اخرج فبايع ، قال : من ؟ قالوا : عليا . قال : تجتمع الشورى وتنظر ، فقالوا : أخرج فبايع ، فامتنع عليهم . فجاءوا به يلببونه ، فبايعه بلسانه ومنع يده ، فقال أبو ثور : كنت فيمن حاصر عثمان فكنت آخذ سلاحي وأضعه ، وعلي ينظر إليّ لا يأمرني ولا ينهاني ، فلما كانت البيعة له ، خرجت في أثره ، والناس حوله يبايعونه ، 72 فدخل حائطا من حيطان بني مازن [ ( 1 ) ] ، فألجأوه إلى نخلة ، وحالوا بيني وبينه ، فنظرت إليهم وقد أخذت أيدي الناس ذراعه ، تختلف أيديهم على يده ثم أقبل إلى المسجد الشريف ، وكان أول من صعد المنبر طلحة فبايعه بيده ، وكانت أصابعه شلاء ، فتطير منها علي ، فقال : ما أخلقها أن تنكث ، ثم بايعه الزبير وسعد [ ( 2 ) ] وأصحاب النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم جميعا ، ثم نزل فدعا الناس ، وأمر مروان ، فهرب منه ، وطلب نفرا من بني أمية وابن أبي معيط فهربوا ، وخرجت عائشة باكية تقول قتل عثمان رحمه اللَّه ، فقال لها عمار [ ( 2 ) ] : بالأمس تحرضين عليه الناس ، واليوم تبكينه ، ثم جاء عليّ إلى امرأة عثمان فقال لها : من قتل عثمان ؟ قالت : لا أدري ، دخل عليه رجال لا أعرفهم إلا أن أرى وجوههم ، وكان معهم محمد بن أبي بكر ، فدعا علي محمدا ، فسأله عما ذكرت امرأة عثمان ، فقال محمد : صدقت ، قد واللَّه دخلت عليه ، فذكر لي أبي ، فقمت عنه ، وأنا تائب إلى اللَّه تعالى ، واللَّه ما قتلته ، ولا أمسكته ، فقالت : صدق ، ولكن هو أدخلهم . قال : ثم خرج طلحة ، فلقي عائشة ، فقالت له : ما صنع الناس ؟ قال : قتلوا عثمان . قالت : ثم ما صنعوا ؟ قال : بايعوا عليا ، ثم أتوني فأكرهوني ولببوني حتى بايعت . قالت : وما لعلي يستولي على رقابنا ، لا أدخل المدينة ولعلي فيها سلطان ، فرجعت . وكان الزبير خارجا لم يشهد قتل عثمان ، وكان عمرو بن العاص بفلسطين يوم قتل عثمان ، فطلع عليه راكب من
--> [ ( 1 ) ] في الطبري 5 / 153 حائط بني عمرو بن مبذول . [ ( 2 ) ] في فتوح ابن الأعثم 2 / 248 الّذي قال لها ذلك عبيد ابن أم كلاب وهو عبيد بن أبي سلمة الليثي وقد لقيها قريبا من المدينة قادمة من مكة . ( انظر الطبري 5 / 165 وابن الأثير 3 / 102 ) .